أحمد الفاروقي السرهندي
114
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
الامر ومعدومة فيه أيضا لكن باعتبارين فإنّه إذا قطع النّظر عن مرتبة الحسّ والوهم فمعدومة وبلا ملاحظة الحسّ والوهم موجودة ومن القصص المشهورة أنّ أرباب الشّعبذة في بلد من بلاد الهند أسّسوا بنيان الشّعبذة عند واحد من السّلاطين ففي ذلك الأثناء أظهروا في نظر النّاس بالطّلسم والشّعبذة بستان أشجار أنبة وأروا في ذلك المجلس أنّ تلك الأشجار كبرت وأثمرت وأكل أهل المجلس من ثمارها فأمر السّلطان في ذلك الوقت بقتل أرباب الشّعبذة لانّه كان قد سمع أنّه إذا قتل صاحب الشّعبذة بعد ظهور الشّعبذة تبقى تلك الشّعبذة على حالها بقدرة الحقّ - جلّ سلطانه - فلمّا قتلوهم بقيت تلك الأشجار بقدرة اللّه جلّ سلطانه وسمعت أنّها باقية إلى الآن والنّاس يأكلون من ثمارها وما ذلك على اللّه بعزيز . ففي الصّورة المتنازع فيها أظهر الحقّ - سبحانه الذي لا موجود غيره في الخارج ونفس الامر - كمالات أسمائه وصفاته بقدرته الكاملة في حجب صور الممكنات في مرتبة الحسّ والوهم وأجلى تلك الكمالات في مجالي الأشياء بوجود وهميّ وثبوت خياليّ يعني : أوجد الأشياء على طبق تلك الكمالات في مرتبة الحسّ والوهم فوجود الأشياء باعتبار الإراءة الخياليّة ولكن لمّا منح الحقّ سبحانه وتعالى تلك الإراءة الاستقرار والثبات وراعى الإتقان في صنع الأشياء وجعل المعاملة الابديّة مربوطة بها صار وجودها الوهميّ وثبوتها الخياليّ أيضا في نفس الامر وكانت محفوظة عن الخلل فيمكن أن يقال : إنّ الأشياء لها في الخارج ونفس الامر وجود وليس لها وجود كما مرّ مكرّرا . قال حضرة والد هذا الفقير - قدّس سرّه - وكان من العلماء المحقّقين : " سألني القاضي جلال الدين الأكريّ الذي كان من العلماء المتبحّرين : هل الواقع الوحدة أو الكثرة ؟ فإن كان وحدة تصير الشّريعة الّتي مبناها على الاحكام المتباينة والمتمايزة باطلة وإن كان كثرة يبطل قول الصّوفيّة الذين يقولون بوحدة الوجود قال حضرة شيخنا في جوابه : " كلتاهما مطابقتان لنفس الامر وواقعتان فيه " . وبين ذلك لم يبق في خاطر الفقير ما قال في بيانه وما أفيض على خاطر الفقير في هذا الوقت أورده في قيد الكتابة والأمر إلى اللّه سبحانه . فالصّوفيّة الذين يقولون بوحدة الوجود محقّون والعلماء الذين يحكمون بالكثرة أيضا محقّون والمناسب لأحوال الصّوفيّة الوحدة والمناسب لأحوال العلماء الكثرة فإنّ مبنى الشّرائع على كثرة وتغاير الاحكام مربوط بالكثرة ودعوة الأنبياء - عليهم الصّلاة السّلام - والتّنعيم والتّعذيب الاخرويّان كلّه متعلّق بالكثرة وحيث انّ الحقّ سبحانه يريد الكثرة ويحبّ الظّهور كما قال تعالى " فأحببت أن أعرف " فبقاء هذه المرتبة أيضا ضروريّ فإنّ ترتيب هذه المرتبة مرضىّ ربّ العالمين ومحبوبه تعالى فإنّه لا بدّ لسلطان ذي شأن من الخدّم والحشّم والذّلّ والافتقار والإنكسار لازم لعظمته وكبريائه ومعاملة وحدة الوجود وإن كانت كالحقيقة ومعاملة الكثرة بالنّسبة إليه كالمجاز ولهذا يقال لذلك العالم " عالم الحقيقة " ولهذا العالم " عالم المجاز " ولكن لمّا كانت الظّهورات محبوب ربّ العالمين وأعطى الأشياء البقاء الابديّ وأورد القدرة في لباس الحكمة وجعل الأسباب نقاب أفعاله كانت تلك الحقيقة